محمد باقر الملكي الميانجي

147

مناهج البيان في تفسير القرآن

وطمعا ورغبة ورهبة ، فهم يستجيرون به - تعالى - من الإزاغة وسلب الهداية ويسألونه مزيد رحمة من رحماته . والظاهر أنّ طلب الرحمة من لدنه - تعالى - فيه إشارة إلى أنّ اللّه - تعالى - مالك لها وليست هي إلّا في قبضته وملكه وسلطانه . وهؤلاء الأفاضل الراسخون في الإيمان مع أنّهم عرفوا اللّه - تعالى - واهتدوا بهدايته ونوره لا يزال الخوف يلازمهم ؛ لأنهم كلما ازدادوا ايمانا باللّه ومعرفة بآياته ازدادوا خوفا وخشية منه . وهم في عين وجودهم لنعمة الهداية يرون أنّ الملك للّه ، أي أنّ اللّه - تعالى - مالك الهداية بالحقيقة ، فلا يملكون إلّا بتمليكه وعطائه . وكذلك لا ينقطع رجاؤهم وطمعهم عن مواهبه وكراماته ، بخلاف من لم يعرف اللّه - سبحانه - فإنّه لا يخاف اللّه ولا يعتني بقبضه وبسطه ، ومنعه وعطائه ، ولم يعقد إيمانه على حقيقة ثابتة ، ولم يتلجئ إلى ركن وثيق . قوله تعالى : « إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ » . ( 8 ) تمجيد للّه - سبحانه - قضاء لغرض الضرورة ، فإنّ من دخل حريم الأنس وجلس مجلس القرب لا بدّ له بالضرورة العقليّة من مراعاة أدب الحضور وتمجيده تعالى وتكبيره بنعوت مجده وصفات قدسه . فهو سبحانه جواد إن أعطى وإن منع ، ووهّاب إن بسط وإن قبض . في الكافي 1 / 18 ، عن أبي عبد اللّه الأشعري ، عن بعض أصحابنا ، رفعه عن هشام بن الحكم عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال : يا هشام إنّ اللّه حكى عن قوم صالحين أنّهم قالوا : « رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ » حين علموا أنّ القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها . إنّه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه ، ومن لم يعقل عن اللّه لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه ، ولا يكون أحد كذلك إلّا من كان فعله لقوله مصدّقا ، وسرّه لعلانيّته موافقا ، لأنّ اللّه - تبارك اسمه - لم يدلّ على الباطن الخفيّ من العقل إلّا بظاهر منه